عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
331
اللباب في علوم الكتاب
ونظير هذا أنّه ورد في القرآن الكريم سورتان : أوّلهما « يا أَيُّهَا النَّاسُ » فالأولى : هي السّورة الرابعة من النّصف الأوّل ؛ فإن الأولى هي « الفاتحة » ثم « البقرة » ثم « آل عمران » ثم « النّساء » وهي مشتملة على شرح المبدأ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [ النساء : 1 ] والسّورة الثّانية : هي الرابعة أيضا من النّصف الثاني ؛ فإن أوله « مريم » ثم « طه » ثم « الأنبياء » ثم « الحجّ » وهذه مشتملة على شرح الميعاد يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفيّة ، وحكم مطويّة [ لا يعرفها إلّا الخواصّ من عبيده ] . فصل في اختلافهم في السائل عن الأهلّة روي عن معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا : يا رسول اللّه ، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ، ثمّ يزيد ؛ حتّى يمتلئ ويستوي ، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ ، لا يكون على حالة واحدة ؛ كالشّمس ، فنزلت هذه الآية « 1 » . وروي أنّ معاذ بن جبل قال : إنّ اليهود سألوه « 2 » عن الأهلّة . واعلم أنّ قوله تعالى « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » ليس فيه بيان أنّهم عن أيّ شيء سألوا ، إلّا أنّ الجواب كالدّالّ على موضع السّؤال ؛ لأنّه قوله : « قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » يدلّ على أنّ سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغيّر حال الأهلّة في الزيادة والنّقصان . قوله تعالى : عَنِ الْأَهِلَّةِ : متعلّق بالسؤال قبله ، يقال : « سأل به وعنه » بمعنى ، والضمير في « يسألونك » ضمير جماعة . فإن كانت القصّة كما روي عن معاذ : أنّ اليهود سألوه ، فلا كلام ، وإن كانت القصّة أنّ السائل اثنان ؛ كما روي أن معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنم ، سألوا ، فيحتمل ذلك وجهين : أحدهما : أن يقال : إن أقلّ الجمع اثنان . والثاني : من نسبة الشيء إلى جمع ، وإن لم يصدر إلّا من واحد منهم أو اثنين ، وهو كثير في كلامهم . فصل [ في جمع « هلال » ] قال الزّجّاج - رحمه اللّه - : « هلال » يجمع في أقلّ العدد على « أفعلة » نحو : مثال
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 367 ) وقال : وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس فذكره . وذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 5 / 102 - 103 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 103 .